الزركشي
168
البرهان
وأما ما بدئ بحرف واحد فاختلفوا فيه ، فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله اسما لشئ خاص . ومنهم من جعله حرفا وقال : أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها . فأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف ففيه سر ، وذلك أن الألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان ، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم . وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف ; أعني الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية ، إلى الوسط ، إلى النهاية . فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة ، التي يتفرع منها ستة عشر مخرجا ; ليصير منها تسعة وعشرون حرفا ; عليها مدار كلام الخلق أجمعين ، مع تضمنها سرا عجيبا ، وهو أن الألف للبداية ، واللام للتوسط ، والميم للنهاية ; فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية . والنهاية ، والواسطة بينهما . وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهي مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه ، مشتملة على خلق العالم وغايته ، وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر . فتأمل ذلك في البقرة ، وآل عمران ، وتنزيل السجدة ، وسورة الروم . وأيضا فلأن الألف واللام كثرت في الفواتح دون غيرها من الحروف لكثرتها في الكلام . وأيضا من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة ; فهي أعمق الحروف ، واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم ; فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم ، والميم مطبقة ; لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ، ويرمز بهن إلى باقي الحروف ; كما رمز